السيد محمد بيرم الخامس التونسي

214

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار

يجتمعون إلا في مهم ، كما أن لكل صناعة أمينا يفصل الخصومات المتعلقة بالصناعة . وثالث عشرها : كاهية دار الباشا ، وله فصل الجنايات الخفيفة حول الحاضرة ، فهاته هي أهم الرتب السياسية والعسكرية . وأما العلمية : فأوّلها : الباش مفتي الحنفي ، أي رئيس المفتيين ثم المالكي ثم المفتي الحنفي ثم المالكي ، وقد يزاد على واحد في كل من المذهبين ، ثم قاضيان لكل مذهب قاض ثم قاضي باردو ثم قاضي المحلة ، أي المعسكر المسافر مع وارث الولاية ، ثم قضاة المدن الكبيرة ومفاتيها . ثم قضاة المدن الأخرى والجميع مالكية إلا ما يحدث أحيانا من ولاية مفتي حنفي في المهدية والمستير ، فهؤلاء أصحاب الأحكام . وهناك وظائف دينية كالمدرس والإمام والخطيب وصاحب الولاية ، أي الأمير يجلس يوميا بمحل يسمى المحكمة صباحا لتلقي المشتكين من العمال والمتوظفين ومن الحرابة وقطع الطريق وأمثال ذلك ، أما نوازل المعاملة بين الناس فهي للحكام الشرعيين ، ونوازل التجارة لمجلسها والجنايات الخفيفة يباشرها الداي ، وله الجبس مع الأعمال الشاقة المسمى بالكراكة ، وله الضرب ثلاثمائة سوط فقط وأعظم به من مبلغ حرمة الشرع ، وهكذا كل نازلة فإنها ترجع إلى حكامها ممن مر بيانهم مع التوقير التام للحكام أهل الشرع ونفوذ أحكامهم ولو على ذوي المناصب العالية ، ويجتمع رؤساء المفتيين والمفتيون والقاضيان وقاضي باردو يوم الأحد بمحضر الوالي ، وتورد عليهم سائر النوازل المهمة في الحقوق الشخصية ، وليس للوالي إلا تنفيذ ما يحكمون به مع غاية التعظيم والتوقير ، ولا زال طرف من هذا العمل إلى الآن بحيث أن هيبة العلماء وتوقير الشريعة لا زالت في القطر التونسي على بعض ما يجب لها من الإجراء ، وكذلك سائر الشعائر الدينية ، ولقد أدركت أن سب الدين لا يمكن أن يكنى عنه بهاته العبارة تعظيما وتوقيرا ، بل يكنى عنه بسب المنكر ، وترى الكبير والصغير يقول : من سب المنكر أذيب الرصاص في حلقه كأنه هو حكمه المعروف ، وكذلك سائر العبارات الفاحشة مما يكنى به عن العورات لا تذكر أبدا ومن يذكرها في خلواته يعد من السفهاء ولقد تغيرت في هذا المعنى الحال وللّه الأمر . وأما ما يتعلق بالجباية وصرفها فقد كان لا يؤخذ من الأهالي إلا أعشار الحبوب من القمح والشعير ثم عشر الزيت ، وأداء مالي حسب مقدار مرتب العساكر الينكشارية مقسم على بلدان القطر يؤدّى على ستة أقساط في السنة وهو نزر يسير ، ثم العاشر وهو المسمى في العرف بالقمرق ، ثم مداخيل الأراضي والأملاك الراجعة لبيت المال مع ضرائب ضعيفة على القبائل مثل البلدان المارّ ذكرها ، عوضا عن زكاة المكاسب يوزعها على أفرادهم مشايخهم وعرفاءهم ، كل قبيلة بحسب حالها . ولما امتدّت أيدي العمال بما يسمونه الهواء وهو أخذ ما يقدمه أهل العمل للعامل برسم الضيافة ، ثم ما يلتقطه منهم باسم وهبة أي